الوقفة ( 24 ) : ختم الآيات القرآنية  بالأسماء الحسنى

الثلاثاء _29 _سبتمبر _2020AH admin
الوقفة ( 24 ) : ختم الآيات القرآنية  بالأسماء الحسنى

في هذا دلالة على أن الشرع و الأمر والخلق كله صادر عن أسماء الله الحسنى ، ومرتبط بها ، وهذا باب عظيم في معرفة الله تعالى و معرفة أحكامة .

وكذلك لختم الآيات بالأسماء الحسنى حِكَماً و دلالات كثيرة منها :

1- أن الحكم المذكور في الآية له تعلق بالاسم ، فيكون ختم الآية بالاسم تعليلا للحكم ، مثل قوله تعالى (وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) ختم الآية {إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم} تعليل لما قبله أيْ إنَّ الله هوالذي يُكثر توفيقَ المذنبين لتوبة ويبالِغُ في قبولها منهم وفي الإنعام عليهم .

2- قد يذكر الله – تعالى – الاسم في آخر الآية دون ذكر الحكم والجزاء فيها ، تنبيهاً لعبادة أنهم إذا عرفوا الله بذلك الاسم العظيم ، عرفوا ما يترتب عليه من أحكام ، وأن ذلك الحكم من آثار هذا الاسم ، مثل قوله تعالى  ( إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) لم يقل: فاعفوا عنهم أو اتركوهم ونحوها، بل قال: {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}  يعني: فإذا عرفتم ذلك وعلمتموه، عرفتم أن من تاب وأناب فإن الله يغفر له ويرحمه، فيدفع عنه العقوبة ، ويمده بالقوة على الطاعة .

3- يختم بعض الآيات الاسماء الحسنى وذلك تعليلا للأمر الوارد في الآية أو تعليلاً للنهي الوارد فيها كما في قوله تعالى (فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) فختم الآية بهذين الاسمين تعليل للأمر بتخلية السبيل .

4- قد يختم الله – تعالى – بعض الآيات التي فيها دعاء باسم أو اسمين يتناسبان مع الدعاء المطلوب كما في قوله تعالى ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) .

5- بعض الآيات تختم باسمين مختلفين تماماً في المعنى وذلك لإفادة حكمين مختلفين وردا في الآية مثل قوله تعالى بعد ذكر قصص الأنبياء مع أقوامهم في سورة  الشعراء ( وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) فإن كل قصة تضمنت نجاة النبي وأتباعه، وذلك برحمة الله ولطفه، وتضمنت إهلاك المكذبين له، وذلك من آثار عزته ، فإنه نجى الرسول وأتباعه بكمال قوته وعزته ورحمته، وأهلك المكذبين بعزته وحكمته ، ويكون ذكر الرحمة دالاً على عِظم جرمهم، وأنه طالما فتح لهم أبواب رحمته بآياته ونعمه ورسله فأغلقوها دونهم بتمردهم على الله وكفرهم وشركهم فلم يكن لهم طريق إليها، ولولا ذلك لما حل بهم هذا العقاب الصارم.

6- قد يختم بعض الآيات بأسماء يُظن أنها لا تناسب الآية ، ولكن الأمر ليس كذلك ، كما في قوله تعالى {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإنهم عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ولم يقل: أنت الغفور الرحيم، لأن المقام ليس مقام استعطاف واسترحام، إنما هو مقام غضب وانتقام ممن اتخذه وأمه إلهين من دون الله، فناسب ذكر العزة والحكمة، وصار أولى من ذكر الرحمة والمغفرة.

7- ومن ألطف مقامات الرجاء: أن يذكر أسباب الرحمة وأسباب العقوبة، ثم يختمها بما يدل على الرحمة؛ مثل قوله: ( يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ )  وقوله: ( لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ) فذلك يدل على أن رحمته سبقت غضبه وغلبته وصار لها الظهور، وإليها ينتهي كل من فيه أدنى سبب من أسباب الرحمة، ولهذا يخرج من النار من كان في قلبه أدنى حبة خردل من الإيمان .

الشيخ عبد العزيز الحماد

شاركنا بتعليق





بدون تعليقات حتى الآن.