الأسباب التي تعين على الصبر ج2

الأثنين _21 _سبتمبر _2026AH admin
الأسباب التي تعين على الصبر ج2

فإذا قوي باعث شهوة الوقاع المحرم وغلب بحيث لا يملك معها فرجه، أو يملكه ولكن لا يملك طرْفَه،

أو يملكه ولكن لا يملك قلْبَه، بل لا يزال يحدثه بما هناك ويَعدُه ويُمنّيه ويصرفه عن حقائق الذكر والتفكر

فيما ينفعه في دنياه وآخرته, فإذا عزم على التداوي ومقاومة هذا الداء فليضعفه أولًا بأمور:

أحدها: أن ينظر إلى مادة قوة الشهوة فيجدها من الأغذية المحركة للشهوة إما بنوعها وإما بكمّيتها وكثرتها،

فليحسم هذه المادة بتقليلها، فإن لم تنحسم فليبادر إلى الصوم فإنه يُضيّق مجاري الشهوة ويكسر حذتها،

ولا سيّما إذا كان أكلُه وقت الفطر معتدلًا.

الثاني: أن يجتنب محرّك الطلب وهو النظر، فليغضّ لجام طرْفِه ما أمكنه، فإن داعي الإرادة والشهوة

إنما يهيج بالنظر، والنظر يحرك القلب بالشهوة.

وفي “المسند” عنه “النظر سَهْمٌ مسمومٌ من سهامِ إبليس”،

وهذا السهم يسدّدُه إبليس نحو القلب ولا يصادف جُنّة دونه، وليست الجُنة إلا غضّ الطرف أو التحيّز والانحراف

عن جهة الرمي؛ فإنه إنما يَرمي هذا السهم عن قوس الصور، فإذا لم تقف على طريقها أخطأك السهم، وإن نصبت

قلبك غرضًا فيوشك أن يقتله سهم من تلك السهام المسمومة.

الثالث: تسلية النفس بالمباح المعوض عن الحرام، فإن كل ما يشتهيه الطبع ففيما أحبه اللَّه سبحانه غنية عنه،

وهذا هو الدواء النافع في حق أكثر الناس؛ كما أرشد إليه النبي  .

فالدواء الأول: يُشبه قطع العلف عن الدابة الجموح، وعن الكلب الضاري؛ لإضعاف قوتهما.

والثاني: يُشبه تغييب اللحم عن الكلب والشعير عن البهيمة لئلا تتحرك نفوسهما له عند المشاهدة.

والدواء الثالث: يشبه إعطاءها من الغذاء ما يميل إليه طبعها بحسب الحاجة؛ لتبقى معه القوة؛

فتطيع صاحبها، ولا تغلب بإعطائها الزيادة على ذلك.

الرابع: الفكر في المفاسد الدنيوية المتوقعة من قضاء هذا الوطر، فإنه لو لم يكن جنةٌ ولا نار لكان في المفاسد

الدنيوية ما ينهى عن إجابة هذا الداعي، ولو تكلفنا عدّها لفاتت الحصر، ولكن عين الهوى عمياء.

الخامس: [الفكرة]  في مقابح الصورة التي تدعوه نفسه إليها إن كانت معروفة بالإجابة  وليُعِزَّ لنفسه أن تشرب

من حوض ترده الكلاب والذباب، كما قيل:

سأتركُ وصلكم شَرَفًا وعِزًّا … لِخِسَّة سائر الشُّركاء فيه

[وقال آخر:

إذا كثر الذباب على طعام … رفعت يدي ونفسي تشتهيه]

وتجتنبُ الأسودُ ورودَ مَاءٍ … إذا كان الكلابُ يَلَغْنَ فيه

وليذكر مخالطة ريقه لريق كل خبيث ريقُه الداءُ الدويّ، فإن ريق الفاسق داء، كما قيل:

تسلَّ يا قلبُ عن سَمْحٍ بمهجته … مبذّلٍ كلُّ من يلقاهُ يقرفُه

كالماء أيُّ صَدٍ يأتيه ينهلُه … والغُصْنِ أيُّ نسيمٍ مرَّ يعطفُه

وإن حلا ريقُه فاذكر مرَارتَه … في فمِ أبخَرَ يحفيه ويرشفُه

ومن له أدنى مروءة ونخوة يأنف لنفسه من مواصلة من هذا شأنه، فإن لم تجبه نفسه إلى الإعراض ورضي بالمشاركة،

فلينظر إلى ما وراء هذا اللّون والجمال الظاهر من القبائح الباطنة، فإن من مكّن مِنْ نفسه فعل القبائح فنفسه أقبح من

نفوس البهائم، فإنه لا يرضى لنفسه بذلك حيوان من الحيوانات أصلًا إلا ما يُحكى عن الخنزير، وأنه ليس في الحيوان لوطي سواه،

فقد رضي هذا المُمَكّن من نفسه أنه يكون بمنزلة الخنزير، وهذا القبح يغطي كل جمال وملاحة في الوجه والبدن،

غير أن حبّك الشيءَ يعمي ويُصِم.

وإن كانت الصورة أنثى فقد خانت اللَّه ورسوله وأهلها وبعلها ونفسها [وأرّثت ذلك لمن بعدها من ذريتها،

فلها نصيب من وزرهم وعارهم]  ولا نسبة لجمال صورتها إلى هذا القبح ألبتة.

وإذا أردت معرفة ذلك فانظر إلى القبح الذي يعلو وجه أحدهما في كِبَره، وكيف يقلب اللَّه سبحانه تلك المحاسن

مقابح حتى تعلو الوحشة والقبح وجْهه، كما قيل:

لو فَكّرَ العاشقُ في منتهى … حُسنِ الذي يَسبيه لم يَسْبِه

وتفصيل هذه الوجوه يطول جدًّا، فيكفي ذكر أصولها.

كتاب عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين ط عطاءات العلم ص97.

شاركنا بتعليق


ثلاثة عشر + 17 =




بدون تعليقات حتى الآن.